آدم بدوي حقار
حديث مناوي عن الراهن السياسي – بالرغم من اعترافه الصريح بأن حليفه (الجيش) كان واحدًا من أسباب الحرب، إلا أن حديثه واعترافه عن تعايشه مع الكيزان كان غير موفق، لأن الكيزان فئة ضالة لا يمكن التعايش معهم مهما بلغت وضاعتهم ودرجة تهجينهم، وخطورتهم تكمن في عدم قبولهم بالرأي الآخر أو من يفكر في تخليص دورهم أو التفكير في إقامة دولة قانون ومحاسبة. ولنا في تحالفهم مع الدعم السريع عبرة حيث سعوا للتخلص من حميدتي من أول يوم بعد انحيازه للثورة، وذلك عن طريق صلاح قوش عندما غدر بحميدتي بعدما اتفقا على اختيار رئيس سيادي مناسب لقيادة الفترة الانتقالية، لكن لقوش رأي آخر عندما قام بتوكيل المهمة لابن عوف الحليف الإيديولوجي والرجل المطيع لصلاح قوش. ولم تمضِ ساعات من إعلان بيان ابن عوف إلا وقام حميدتي باعتقال قوش في منزله وغيّره بين خيارين: إما الذهاب إلى السجن حبيسًا أو إلى خارج البلاد منفياً، وها هنا اختار قوش مصر لأنها قريبة من السودان وسهولة التواصل بينه وبين أذرعه الخبيثة.
وبعده، لم يتردد حميدتي وقام باختيار برهان بعد مشاورة مع الحرية والتغيير، وجاء اختيار برهان بعد خلو سجله من انتمائه لأي تنظيم أو تقاربه مع تنظيم الكيزان البائد. وبعدها تغرغ حميدتي للعمل مع أضلاع الثورة الثلاثة في ذلك الوقت (الجيش، الدعم السريع، قحت) إلى أن جاء الضلع الرابع (الحركات الموقعة على جوبا)، وكان برهان وقحت أشد الرافضين لقيام منبر جوبا وإتمام عملية السلام ومشاركة الحركات في السلطة، لكن إصرار حميدتي جعل من الأمر واقعًا وبسرعة غير معهودة في كل اتفاقيات السلام التي وُقعت من أجل إنهاء الحروب في البلاد.
وقد جاء رفض برهان لمنبر جوبا بناءً على إصرار قحت بعد خوفهم الشديد والاشتباه في واحد من هذه الحركات بتحالفه مع الكيزان عبر الوسيط صلاح قوش، وجاء رفضه الآخر بناءً على إملاءات الكيزان بعد تخوفهم من تحالف مناوي مع الدعم السريع. وهنا سعت كل الأطراف لتحجيم دور الآخر عبر تعارك سياسي غير مفيد وكان خصمًا من الثورة المجيدة وخصمًا من قيادات بارزة ناضلت من أجل تحقيق ذلك الحلم بعدما حُجم دورهم في تنظيماتهم بعد تمسكهم بالثورة ورفضهم القاطع لما يقوم به قادة تنظيماتهم من دسائس ومؤامرات لتعطيل طموحاتهم الوطنية وتعطيل سير تكوين دولة مدنية.
وكان هذا العك السياسي تحت مرأى ومسمع من القائد الضعيف برهان وتحت حيرة حميدتي الذي انحاز للثورة من مهد إرادته الوطنية الخالصة لأنه لا يعرف خبث السياسة السودانية، وقد كان هو الوسيط العاقل، واختلط الحابل بالنابل حيث أصبحت قحت المركزي من جانب يكيد المكائد للحركات المسلحة عبر الإعلام الإسفيري الذي يمتلكه والشارع الذي يعتمد عليه في حشد الثوار الذين معظمهم من الشباب غير المدرك لتاريخ السياسة السودانية.
ومن الجانب الآخر أصبح يحارب الكيزان، وإن كانت محاربتهم شرعية إلا أنها لا تخلو من الأخطاء، وربما تكون هي القاصمة التي أدت بنا إلى هذا النفق الذي نحن فيه الآن. في ذلك الوقت، لو استطاعت قحت أو قدر لها كسب ود مناوي لكان الأمر تغير تمامًا، لكن تعنت بعض من قياداتهم المتغطرسة وبأساليبهم العنصرية جعل مناوي يبتعد عنهم، لكنه لم يدرك فيما بعد أنه وقع تحت أنياب مفترس أشد ضراوةً من قحت. وهنا أصبحت الفرصة مواتية للكيزان تحت انشغال قحت بمحاربة عدوين في آن واحد، وقد قاموا بنسج خيوط المؤامرة على قحت أولاً، وذلك عن طريق اختراق بعض الحركات المسلحة عبر أذرع صلاح قوش لكي يضمن ولاءهم لاحقًا عندما يكون في مواجهة حميدتي. ونسجوا خيوطهم على قحت عبر ذراعه في المؤسسة العسكرية، ونتج عن ذلك انقلاب 25 أكتوبر.
وحصل هذا كله في الوقت الذي كان فيه حميدتي مشغولًا بلملمة أطراف الثورة الحقيقيين وغض الطرف عن الكيزان، ولكن مكر الكيزان كان أقوى بعد إدخال بعض الحركات المسلحة تحت وصايتهم والسيطرة الكاملة على الجيش عبر خلاياه النائمة من الجنرالات. هيئوا لأنفسهم أجواء المواجهة التي أصبحت ممكنة للتخلص من حميدتي، وهنا فطن حميدتي لأمر هذه الدسائس، خاصة بعد رفض الجيش وبعض الحركات المسلحة للملخص النهائي لملف الترتيبات الأمنية الذي كان الدعم السريع جزءًا منه، وعلى أثره كان الدعم السريع والحركات المسلحة داخل المؤسسة العسكرية الواحدة. وكان الرفض فقط من جانب الجيش الذي سيطر عليه الكيزان.
إلا أن الأمر استفحل وأصبح أكثر خطورة بعدما أصبح هذا الملف مرفوضًا من بعض الحركات المسلحة المشبوهة في تحالفها مع الكيزان، وهذا ما جعل حميدتي يضع حسن ظنه تجاه قحت ويقبل بها كحليف استراتيجي قد يعينه عندما يسوء الأمر. ومن هذا المنطلق، قام برعاية ملف قحت (الاتفاق الإطاري) وضغط به الأطراف غير الراغبة في قبول هذا الملف الذي يرى فيه حميدتي الأنسب لتأسيس الدولة المدنية المنشودة وكشف نوايا تلك الحركات.
لكن قبل ذلك كان للكيزان رأي آخر وقاموا بتدبيرهم وتجهيزهم لقيام الحرب والتخلص من عدوين لدودين في آن واحد (قحت اليساري وحميدتي الغدار) بعدما تأكدوا من وقوف الشعب معهم في حالة حدوث أي مواجهة لأنهم يملكون المنصة الإعلامية والاستخبارات الإلكترونية التي تساعدهم في الحرب. ولا ننسى أيضًا الأخطاء التي ارتكبها حواضن الدعم السريع في بداية الحرب وتصرفاتهم غير المسؤولة تجاه بعض المكونات الإثنية في إقليم دارفور، مما ساعد في تنامي الآلة الإعلامية للكيزان والاستخبارات التي بدورها قامت أولاً باختراق أبناء قبيلة من قبائل دارفور، في القريب أي قبل قيام الحرب كان بينهم وبين الحواضن الاجتماعية للدعم السريع صراع تدخل فيه حميدتي أكثر من مرة بنية الإصلاح في وقت كان الجيش في موقع متفرج.
وثانيًا، قامت الاستخبارات باختراق قادة الحركات المسلحة وحواضنها لفك الحياد وترويج للناس بأن هذه الحرب حرب خاصة بينهم وبين الدعم السريع، وساعدهم في ذلك آلة الإعلام الممولة مباشرة بأموال ضخمة تُصرف من خزينة الدولة، ونجحوا في ذلك بفك الحياد ونقل الحرب إلى دارفور كما كانت مخططة لها من الكيزان والدولة القديمة. كما قامت هذه الآلة الإعلامية بتوجيه الشعب للانخراط في صفوف مليشيات الجيش الكيزانية وتغطية أخطاء هذه المليشيات الكيزانية والعنصرية، التي أخطاؤهم يفوق أخطاء الدعم السريع. وكلنا رأينا الذبح والحرق وبقر البطون والتعذيب الذي تم بيد مليشيات الجيش وخاصة بعد الاستيلاء على الأماكن التي كانت تسيطر عليها الدعم السريع، وما زالت تلك الانتهاكات مستمرة وما خفي عن الشعب أعظم.
أما التنظيمات السياسية فقد انقسمت بين موالٍ للكيزان وموالٍ للدعم السريع حسب المعطيات السابقة التي ذكرتها، وأيضًا انقسمت جماعات أو أفراد من تنظيماتهم بين مؤيد ورافض للحرب. ولكم الحكم في ذلك…
فلذلك، مناوي لم يكن في مأمن أبدًا ما دام أصبح جزءًا من هذه الفئة التي لا تريد من مصلحة السودان سوى الدمار، وإذا أراد الخروج من جلباب هذه الفئة عليه أن يأخذ حذره لأن جيشه أصبح مخترقًا.