عودة شبكات الإسلاميين في حرب السودان تثير مخاوف أوروبا من تصاعد النزوح
تحولت الحرب في السودان إلى صراع إقليمي يتجاوز المواجهة العسكرية الداخلية. ويغذي هذا الصراع تدخلات خارجية وأجندات متنافسة. كما تشهد عودة ملحوظة لشبكات إسلامية مرتبطة بنظام عمر البشير.
وبحسب ما أورده الكاتب إسحاق هاموش في تحليل نُشر في 29 أغسطس 2026، يعتمد التحالف المحيط بالفريق عبد الفتاح البرهان والقوات المسلحة السودانية بشكل متزايد على هذه الشبكات. وترى هذه القوى في الحرب فرصة لاستعادة النفوذ الذي فقدته بعد انتفاضة 2019.
ويحمل هذا التطور تداعيات تتجاوز الحدود السودانية. فهو يهدد الدول المجاورة ويزعزع استقرار البحر الأحمر. كما يفتح مسارات نزوح جديدة نحو أوروبا.
عودة نفوذ عصر البشير
وصل عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب مدعوم من الإسلاميين عام 1989. وخلال العقود الثلاثة التالية ترسخت الشبكات الإسلامية داخل الجيش وأجهزة المخابرات والجهاز الإداري والاقتصاد.
ضعفت هذه الشبكات بعد إطاحة البشير، لكنها لم تختفِ تماماً. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 استعادت كوادر سابقة وتشكيلات قتالية نفوذاً داخل التحالف الداعم للبرهان.
ولا يعني ذلك أن كل ضابط في الجيش ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. لكنه يشير إلى أن المنظمات الإسلامية حصلت على نفوذ سياسي وعسكري متجدد من خلال مشاركتها في الصراع.
وفي مارس 2026 أدرجت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين السودانية، المعروفة أيضاً بالحركة الإسلامية السودانية، على قائمة المنظمات الإرهابية. وفرضت عليها عقوبات. وعكست هذه الخطوة القلق الدولي المتزايد من تعبئة المقاتلين وتورط الحركة في الحرب.
ويخلق اعتماد البرهان على هذه الشبكات تناقضاً واضحاً. فهو يسعى إلى الاعتراف الدولي كممثل للمؤسسات الرسمية. في الوقت نفسه تعمل قوى مرتبطة بالنظام السابق داخل ائتلافه أو إلى جانبه. وهذا يهدد بتحويل المكاسب العسكرية إلى استعادة سياسية للنظام الذي أطاح به الشعب عام 2019.
التدخلات الخارجية تطيل أمد القتال
يستمر الصراع بفضل دعم عسكري وسياسي ولوجستي خارجي. وتنظر القوى الإقليمية إلى السودان من زاوية أمن البحر الأحمر والموارد الزراعية والذهب وممرات التجارة والمنافسات الإقليمية الأوسع.
وزاد هذا الدعم قدرة الأطراف على مواصلة القتال. كما قلل من حوافز التفاوض. والنتيجة بلد مفكك يتعرض فيه المدنيون للغارات الجوية والمجازر والعنف الإثني والجنسي والتجنيد القسري والحرمان.
من جهة أخرى، تواجه قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها اتهامات بارتكاب فظائع. وتشمل هذه الاتهامات العنف المستهدف إثنياً في دارفور. لذلك يجب ألا تعني إدانة النفوذ الإسلامي داخل تحالف البرهان التغاضي عن جرائم الطرف الآخر. فالمحاسبة يجب أن تطال الجميع.
ودعت الأمم المتحدة مراراً إلى وقف المساعدات الخارجية التي تغذي الحرب. وبدون ضغط فعال على الرعاة الخارجيين ووقف إطلاق نار مراقب وعملية سياسية مدنية حقيقية، يظل السودان عرضة لمزيد من التقسيم والتطرف.
أزمة النزوح تصل إلى أوروبا
كان السودان أكبر أزمة نزوح في العالم بنهاية عام 2025. وبلغ عدد النازحين داخلياً واللاجئين وطالبي اللجوء نحو 12.9 مليون شخص. ولجأ الملايين إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى.
ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، وصل 12 ألفاً و684 مهاجراً ولاجئاً سودانياً إلى أوروبا براً وبحراً بين يناير ونوفمبر 2025. ويمثل هذا الرقم زيادة بلغت 3.3 ضعف مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
ووصلت نحو 65% من هذه الأعداد إلى اليونان، و31% إلى إيطاليا. فيما توجهت أعداد أقل إلى إسبانيا. كما برز ممر بحري سريع يربط شرق ليبيا بجزيرة كريت إلى جانب الطرق التقليدية عبر وسط المتوسط.
ورغم أن هذه الأرقام لا تزال متواضعة مقارنة بإجمالي الهجرة إلى أوروبا، إلا أن الارتفاع الحاد يُعد إنذاراً مبكراً. وإذا استمر الصراع ولم تحصل الدول المضيفة المجاورة على دعم كافٍ، وتوطد نفوذ القوى الإسلامية داخل المؤسسات السودانية، فقد تواجه أوروبا نزوحاً مستمراً وليس زيادة مؤقتة.
ويبلغ معدل منح الحماية لطالبي اللجوء السودانيين في دول الاتحاد الأوروبي نحو 70% من القرارات الأولية عام 2025. ويرجع ذلك إلى شدة الصراع.
التمييز بين اللاجئين والشبكات المتطرفة
يجب على أوروبا تجنب خطأين خطيرين. الأول هو إنكار قدرة المنظمات المتطرفة على استغلال الدول الفاشلة ومسارات التهريب وأنظمة اللجوء غير المنسقة. والثاني هو معاملة اللاجئين السودانيين جماعياً كتهديد أمني.
فمعظم طالبي اللجوء يفرون من الحرب والتجنيد القسري والاضطهاد. كما يفرون من الشبكات الإسلامية التي تحاول استعادة السلطة. لذلك لا ينبغي الخلط بين المدنيين الفارين من مناطق سيطرة تحالف البرهان وبين الشبكات السياسية والمسلحة المسؤولة عن نزوحهم.
ولا توجد أدلة موثوقة تشير إلى أن اللاجئين السودانيين كمجموعة يشكلون تهديداً إجرامياً أو متطرفاً في أوروبا. لذا يجب أن تكون إجراءات الفحص دقيقة ومستندة إلى السلوك الفردي لا إلى الجنسية أو الدين.
في الوقت نفسه، تحتاج السلطات الأوروبية إلى تحسين قدرتها على رصد الأفراد المرتبطين بمنظمات مفروضة عليها عقوبات أو بجرائم حرب أو بتمويل وتجنيد متطرف. فالحماية الإنسانية والرقابة الأمنية الصارمة لا يتعارضان.
ما الذي يجب أن تفعله أوروبا؟
لا يمكن لأوروبا معالجة تداعيات انهيار السودان عند حدودها الخارجية فقط. لذلك تحتاج إلى استراتيجية تجمع بين المسؤولية الإنسانية والإجراءات الأمنية المستهدفة والعمل السياسي من المصدر.
وتشمل التوصيات معارضة استعادة الشبكات الإسلامية المرتبطة بعصر البشير، وفرض عقوبات مستهدفة، وتعزيز التحقيقات في تمويل وتجنيد هذه الشبكات داخل أوروبا. كما تشمل زيادة الضغط على الدول التي تزود الأطراف بالأسلحة، ودعم الدول المجاورة المضيفة، ووضع إجراءات فحص منسقة تميز بين الضحايا والمتورطين في أنشطة متطرفة أو جرائم دولية، ودعم المجتمع المدني السوداني المستقل والانتقال المدني الموثوق.
والتهديد المركزي ليس اللاجئ السوداني الباحث عن الحماية في باريس أو بروكسل أو برلين أو لندن. بل هو استمرار انهيار المؤسسات السودانية واحتمال سيطرة شبكات أيديولوجية مسلحة ذات تاريخ طويل في الحكم الاستبدادي وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
لذلك يجب أن تتزامن حماية الفارين من السودان مع مواجهة القوى، بما في ذلك الشبكات الإسلامية العاملة حول التحالف العسكري للبرهان، التي تساهم في تدمير البلاد.
المصدر
وبحسب ما أورده إسحاق هاموش في تحليله المنشور في 29 أغسطس 2026.




التعليقات 0
كن أول من يعلّق — الردود والتفاعل تظهر للجميع.